عمر السهروردي
234
عوارف المعارف
والمحال ، فظن أنه على حسن الحال ، فقد دخلت الفتنة على قوم دخلوا الخلوة بغير شروطها ، وأقبلوا على ذكر من الأذكار ، واستجمعوا نفوسهم بالعزلة عن الخلوة ، ومنعوا الشواغل من الحواس كفعل الرهابين والبراهمة والفلاسفة . والوحدة في جمع الهم لها تأثير في صفاء الباطن مطلقا ، فما كان من ذلك بحسن سياسة الشرع وصدق المتابعة لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنتج تنوير القلب ، والزهد في الدنيا ، وحلاوة الذكر ، والمعاملة للّه بالإخلاص من الصلاة والتلاوة وغير ذلك ، وما كان من ذلك من غير سياسة الشرع ومتابعة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ينتج صفاء في النفس يستعان به على اكتساب علوم الرياضة مما يعتنى به الفلاسفة والدهريون خذلهم اللّه تعالى . وكلما أكثر من ذلك بعد عن اللّه ، ولا يزال المقبل على ذلك يستغويه الشيطان بما يكتسب من العلوم الرياضية ، أو بما قد يتراءى له من صدق الخاطر وغير ذلك ، حتى يركن إليه الركون التام ، ويظن أنه فاز بالمقصود ، ولا يعلم أن هذا الفن من الفائدة غير ممنوع من النصارى والبراهمة ، وليس هو المقصود من الخلوة يقول بعضهم إن الحق يريد منك الاستقامة وأنت تطلب الكرامة . وقد يفتح على الصادقين من خوارق العادات وصدق الفراسة ، ويتبين ما سيحدث في المستقبل ، وقد لا يفتح عليهم ذلك ، ولا يقدح في حالهم عدم ذلك ، وإنما يقدح في حالهم الانحراف عن حد الاستقامة ، فما يفتح من ذلك على الصادقين يصير سببا لمزيد إيقانهم ، والداعي لهم إلى صدق المجاهدة والمعاملة والزهد في الدنيا والتخلق بالأخلاق الحميدة . وما يفتح من ذلك على ما ليس تحت سياسة الشرع يصير سببا لمزيد بعده وغروره وحماقته ، واستطالته على الناس وازدرائه بالخلق ، ولا يزال به حتى يخلع ربقة الإسلام عن عنقه ، وينكر الحدود والأحكام والحلال والحرام ،